السيد علي الحسيني الميلاني
29
شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة
أمّا في الصواعق ، فقد نبّه على أن اجتهاد أبي بكر مخالف للنصّ . فأجاب : باحتمال أنه « لم يبلغه » ، لكن هذا قدح في أبي بكر فاستدركه بأنه يحتمل أنه بلغه لكن « تأوّله » . ثم إن هذا كلّه مبني على أن يكون الرجل زنديقاً ، لكنه لم يكن زنديقاً ، وكان يقول : « أنا مسلم » كما ذكر في شرح المواقف ، بل قيل : إنه كان يلهج بالشهادتين حتى احترق وصار فحمة ، وغاية ما هناك أنه قطع الطرق ونهب أموال المسلمين ، كما ذكر المؤرّخون كالطبري ، ومثله لا يكون زنديقاً . . . . ولذا عدل بعض المعتزلة المدافعين عن أبي بكر كابن أبي الحديد ، إلى التوجيه بأسلوب آخر فقال : « والجواب : إن الفجاءة جاء إلى أبي بكر - كما ذكر أصحاب التواريخ - فطلب منه سلاحاً يتقوّى به على الجهاد في أهل الردّة ، فأعطاه ، فلمّا خرج قطع الطريق ونهب أموال المسلمين وأهل الردّة جميعاً ، وقتل كان من وجد - كما فعلت الخوارج حيث خرجت - فلما ظفر به أبو بكر حرّقه بالنار إرهابا لأمثاله من أهل الفساد ونحوه ، وللإمام أن يخصّ النصّ العام بالقياس الجليّ عندنا » ( 1 ) . فتراه لم يدّع زندقة الرجل ، بل ذكر له توجيهاً ثبت في محلّه بطلانه جدّاً . . . . وحيث رأى بعض المتكلّمين الأشاعرة سقوط هذا التوجيه كغيره ، اضطرّ إلى أن يقول : « إحراقه فجاءة ا لسلمي بالنار من غلطه في اجتهاده ، فكم مثله للمجتهدين » ( 2 ) . لكن الاعتراف بغلط أبي بكر في الإجتهاد لا يبرء ساحته ، ولا يكون له عذراً يوم القيامة ، مع وجود النص الصريح الصحيح في حرمة التحريق بالنار ، فهو قادح في عدالة أبي بكر وخلافته . ولذا اضطرّ بعضهم كالشيخ عبد العزيز الدهلوي في كتاب التحفة
--> ( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 17 / 222 . ( 2 ) شرح التجريد للقوشجي : 379 .